قراءة من الشرح . حفظ
" قراءة من فتح الباري لابن حجر "
القارئ : " قوله: ألا نغزو أو نجاهد، هذا شك من الراوي وهو مسدد شيخ البخاري، وقد رواه أبو كامل عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ: ألا نغزو معكم أخرجه الإسماعيلي.
وأغرب الكرماني فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد فإن الغزو القصد إلى القتال والجهاد بذل النفس في القتال.
قال: أو ذكر الثاني تأكيداً للأول اهـ. وكأنه ظن أن الألف تتعلق ب نغزو فشرح على أن الجهاد معطوف على الغزو بالواو أو جعل أو بمعنى الواو.
وقد أخرجه النسائي من طريق جرير عن حبيب بلفظ ألا نخرج فنجاهد معك. ولابن خزيمة من طريق زائدة عن حبيب مثله وزاد: فإنا نجد الجهاد أفضل الأعمال، وللإسماعيلي من طريق أبي بكر بن عياش عن حبيب لو جاهدنا معك قال: ( لا جهاد ولكن حج مبرور ). وقد تقدم في أوائل الحج من طريق خالد عن حبيب بلفظ: نرى الجهاد أفضل العمل فظهر أن التغاير بين اللفظين من الرواة فيقوى أن أو للشك.
قوله: ( لكن أحسن الجهاد ) تقدم نقل الخلاف في توجيهه في أوائل الحج، وهل هو بلفظ الاستثناء أو بلفظ خطاب النسوة؟
قوله: ( الحج حج مبرور ) في رواية جرير: ( حج البيت حج مبرور )، وسيأتي في الجهاد من وجه آخر عن عائشة بنت طلحة بلفظ: استأذنه نساؤه في الجهاد، فقال: ( يكفيكن الحج )، ولابن ماجه من طريق محمد بن فضيل عن حبيب قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: ( نعم، جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ).
قال ابن بطال: زعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى: (( وقرن في بيوتكن يقتضي تحريم السفر عليهن )). قال: وهذا الحديث يرد عليهم، لأنه قال: ( لكن أفضل الجهاد ) فدل على أن لهن جهادا غير الحج، والحج أفضل منه اهـ.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ( لا ) في جواب قولهن: ألا نخرج فنجاهد معك؟ أي: ليس ذلك واجباً عليكن كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كنّ يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن كما أبيح للرجال تكرير الجهاد وخصّ به عموم قوله: ( هذه ثم ظهور الحصُر )، وقوله تعالى: (( وقرن في بيوتكن ))، وكأن عمر كان متوقفاً في ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعده يحج بهنّ في خلافته أيضاً، وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهي كما تقدم.
وقال البيهقي في حديث عائشة: هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج مرةً واحدة كالرجال لا المنع من الزيادة، وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب، واستدل بحديث عائشة هذا على جواز حج المرأة مع من تثق به ولو لم يكن زوجاً ولا محرماً كما سيأتي البحث فيه في الذي يليه.
قوله : ( لا تسافر المرأة ) كذا أطلق السفر وقيده في حديث أبي سعيد الآتي في الباب فقال: ( مسيرة يومين ) ومضى في الصلاة حديث أبي هريرة مقيداً بمسيرة يوم وليلة، وعنه روايات أخرى، وحديث ابن عمر فيه مقيداً بثلاثة أيام، وعنه روايات أخرى أيضاً.
وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات، وقال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفراً فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن المنير: وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين.
وقال المنذري: يحتمل أن يقال إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة يعني فمن أطلق يوماً أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها، وأن يكون عند جمعهما أشار إلى مدة الذهاب والرجوع وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضى فيه الحاجة.
قال: ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلاً لأوائل الأعداد فاليوم أول العدد والاثنان أول التكثير والثلاث أول الجمع، وكأنه أشار إلى أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل فيه السفر، فكيف بما زاد، ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره، ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر خلافاً للحنفية، وحجتهم أن المنع المقيد بالثلاث متحققٌ وما عداه مشكوك فيه، فيؤخذ بالمتيقن، ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص، وترك حمل المطلق على المقيد، وقد خالفوا ذلك هنا، والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد بخلاف حديث الباب فإنه لم يُختلف على ابن عباس فيه، وفرق سفيان الثوري بين المسافة البعيدة فمنعها دون القريبة، وتمسك أحمد بعموم الحديث فقال: إذا لم تجد زوجاً أو محرماً لا يجب عليها الحج، هذا هو المشهور عنه، وعنه رواية أخرى كقول مالك وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة، قالوا وهو مخصوص بالإجماع.
قال البغوي: لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار الحرب أو أسيرة تخلصت، وزاد غيره: أو امرأةً انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة.
قالوا: وإذا كان عمومه مخصوصاً بالاتفاق فليخص منه حجة الفريضة، وأجاب صاحب المغني بأنه سفر الضرورة فلا يقاس عليه حالة الاختيار، ولأنها تدفع ضرراً متيقناً بتحمل ضرر متوهم، ولا كذلك السفر للحج.
وقد روى الدارقطني وصححه أبو عوانة حديث الباب من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار بلفظ: ( لا تحجن امرأةٌ إلا ومعها ذو محرم ) فنص في نفس الحديث على منع الحج فكيف يخص من بقية الأسفار، والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات، وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة، وفي قول نقله الكرابيسي وصححه في المهذب: تسافر وحدها إذا كان الطريق آمناً، وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة، وأغرب القفال فطرده في الأسفار كلها، واستحسنه الروياني قال: إلا أنه خلاف النص. قلت: وهو يعكر على نفي الاختلاف الذي نقله البغوي آنفاً.
واختلفوا هل المحرم وما ذكر معه شرط في وجوب الحج عليها أو شرط في التمكن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة؟ وعبارة أبي الطيب الطبري منهم: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لهم إلا مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات.
ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أُمن الطريق أول أحاديث الباب لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهةٍ خاصة كما تقدم لا من جهة توقف السفر على المحرم. ولعل هذا هو النكتة في إيراد البخاري الحديثين أحدهما عقب الآخر.
ولم يختلفوا أن النساء كلهن في ذلك سواء إلا ما نقل عن أبي الوليد الباجي أنه خصه بغير العجوز التي لا تشتهى، وكأنه نقله من الخلاف المشهور في شهود المرأة صلاة الجماعة.
قال ابن دقيق العيد: الذي قاله الباجي تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، يعني مع مراعاة الأمر الأغلب، وتعقبوه بأن لكل ساقطة لاقطة، والمتعقِب راعى الأمر النادر وهو الاحتياط.
قال: والمتعقِب على الباجي يرى جواز سفر المرأة في الأمن وحدها فقد نظر أيضاً إلى المعنى، يعني: فليس له أن ينكر على الباجي، وأشار بذلك إلى الوجه المتقدم والأصح خلافه.
وقد احتج له بحديث عدي بن حاتم مرفوعاً: ( يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا زوج معها) الحديث، وهو في البخاري، وتُعقب بأنه يدل على وجود ذلك لا على جوازه، وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام فيحمل على الجواز"
.
الشيخ : الرسول أخبر عن شيء عن تمام الأمن فقط بغض النظر عن جوازه، وقد أخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها ، هل نقول يجوز أن نتبع لأن الرسول أخبر به، لا نقول هذا.
بالنسبة لأمهات المؤمنين ما في دليل على أنه ليس معهن محرم ، الحديث ما فيه ذكر المحرم أبداً، والقاعدة عندنا أن نحمل المطلق على المقيد.
ابتهى الكلام؟
القارئ : بقي مسألة واحدة.
يقول : "ومن المستظرف أن المشهور من مذهب من لم يشترط المحرم أن الحج على التراخي، ومن مذهب من يشترطه أنه حج على الفور، وكان المناسب لهذا قول هذا وبالعكس".
الطالب : مسألة حج نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده تكلم عليها قبل صفحتين يا شيخ ، تكلم عليها يا شيخ ابن حجر في الشرح.
الشيخ : على إيش ؟
الطالب : على مسألة حج نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده.
الشيخ : ما سمعته ؟
الطالب : قبل صفحتين تكلم على المسألة هذه.
الشيخ : يعني قبل هذا البحث ؟
الطالب : إي نعم.
القارئ : قال: " زاد عبدان عبد الرحمن بن عوف، وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن، ولا ينظر إليهن ، وهن في الهوادج على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب، وفي رواية لابن سعد: فكان عثمان يسير أمامهن وعبد الرحمن خلفهن، وفي رواية له: وعلى هوادجهن الطيالسة الخضر، في إسناده الواقدي.
وروى ابن سعد أيضاً بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: رأيت نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة، أي: ابن شعبة، والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها.
ولابن سعد أيضاً من حديث أم معبد الخزاعية قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فنزلن بقُدَيد، فدخلت عليهن وهن ثمان.
وله من حديث عائشة: أنهن استأذن عثمان في الحج فقال: "
أنا أحج بكن " فحج بنا جميعا إلا زينب كانت ماتت وإلا سودة فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى أبو داود وأحمد من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجة الوداع: ( هذه ثم ظهور الحصُر ) زاد ابن سعد من حديث أبي هريرة: فكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحججن إلا سودة وزينب، فقالا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسناد حديث أبي واقد صحيح.
وأغرب المهلّب فزعم أنه من وضع الرافضة لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل، وهو إقدامٌ منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل.
والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها، على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة ) ومن ثم عقبه المصنف بهذا الحديث في هذا الباب، وكأن عمر رضي الله عنه كان متوقفاً في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن في عصره من غير نكير.
وروى ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال: منع عمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة، ومن طريق أم درة عن عائشة قالت: منعنا عمر الحج والعمرة، حتى إذا كان آخر عام فأذن لنا وهو موافق لحديث الباب، وفيه زيادة على ما في مرسل أبي جعفر، وهو محمول على ما ذكرناه. واستدل به على جواز حج المرأة بغير محرم وسيأتي البحث فيه "
.