قراءة من الشرح مع تعليق الشيخ حفظ
القارئ : من إبل الصدقة ، يقول : " زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله : من عنده وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده ، أو المراد بقوله من عنده أي بيت المال المرصد للمصالح ، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين ، وقد حمله بعضهم على ظاهره فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة ، واستدل بهذا الحديث وغيره ، قلت : قد تقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس قال : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة في الحج ، وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه ، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم ، قال القرطبي في المفهم : فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته وجلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق ، ورواية من قال من عنده أصح من رواية من قال من إبل الصدقة ، وقد قيل إنها غلط ، والأولى أن لا يغلط الراوي ما أمكن فيحتمل أوجها منها ، فذكر ما تقدم ، وزاد أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم ، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافا لهم واستجلابا لليهود انتهى ، زاد أبو ليلى في روايته قال سهل : فركضتني ناقة ، وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى أدركته ناقة من تلك الإبل فدخلت مربدا لهم فركضتني برجلها ، وفي رواية شيبان بن بلال : لقد ركضتني ناقة من تلك الفرائض بالمربد ، وفي رواية محمد بن إسحاق فوالله ما أنسى ناقة بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها ، وفي حديث الباب من الفوائد : مشروعية القسامة ، قال القاضي عياض : هذا الحديث أصل من أصول الشرع ، وقاعدة من قواعد الأحكام ، وركن من أركان مصالح العباد ، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين ، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به ، وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ، ولا أثبتوا بها في الشرع حكما ، وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية ، وإليه ينحو البخاري ، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه ، قلت : وهذا ينافي ما صدر به كلامه أن كافة الأئمة أخذوا بها ، وقد تقدم النقل عمن لم يقل بمشروعيتها في أول الباب وفيهم من لم يذكره القاضي ، قال : واختلف قول مالك في مشروعية القسامة في قتل الخطأ ، واختلف القائلون بها في العمد هل يجب بها القود أو الدية ؟ فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود إذا كملت شروطها ، وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود ، وروي ذلك عن بعض الصحابة كابن الزبير ، واختلف عن عمر بن عبد العزيز ، وقال أبو الزناد : قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون ، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان ، قلت: إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلا عن ألف ، ثم قال القاضي وحجتهم حديث الباب يعني من رواية يحيى بن سعيد التي أشرت إليها ، قال فإن مجيئه من طرق صحاح لا يدفع وفيه تبرئة المدعين ثم ردها حين أبوا على المدعى عليهم ، واحتجوا بحديث أبي هريرة : ( البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا القسامة ) ، ويقول مالك : أجمعت الأئمة في القديم والحديث على أن المدعين يبدؤون في القسامة ، ولأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة أو شبهة صارت اليمين له وههنا الشبهة قوية ، وقالوا : هذه سنة بحيالها وأصل قائم برأسه لحياة الناس وردع المعتدين ، وخالفت الدعاوى في الأموال فهي على ما ورد فيها ، وكل أصل يتبع ويستعمل ، ولا تطرح سنة لسنة ، وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد يعني المذكورة في حديث هذا الباب بقول أهل الحديث إنه وهم من رواية أسقط من السياق تبرئة المدعين باليمين لكونه لم يذكر فيه رد اليمين ، واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها وهي تقضي على من لم يعرفها ، قلت : وسيأتي مزيد بيان لذلك ، قال القرطبي : الأصل في الدعاوى أن اليمين على المدعى عليه ، وحكم القسامة أصل بنفسه لتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالبا فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة ويترصد الغفلة ، وتأيدت بذلك الرواية الصحيحة المتفق عليها ، وبقي ما عدا القسامة على الأصل ثم ليس ذلك خروجا عن الأصل بالكلية ، بل لأن المدعى عليه إنما كان القول قوله لقوة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادعي عليه وهو موجود في القسامة في جانب المدعي لقوة جانبه باللوث الذي يقوي دعواه ، قال عياض : وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعى عليهم في اليمين إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور : يبدأ بأيمان المدعين وردها إن أبوا على المدعى عليهم ، وقال بعكسه : أهل الكوفة وكثير من أهل البصرة وبعض أهل المدينة والأوزاعي ، فقال : يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا من قتله فإن حلفوا برؤوا وإن نقصت قسامتهم عن عدد أو نكلوا حلف المدعون على رجل واحد ، واستحقوا فإن نقصت قسامتهم قاده دية ، وقال عثمان البتي من فقهاء البصرة : ثم يبدأ بالمدعى عليهم بالأيمان فإن حلفوا فلا شيء عليهم ، وقال الكوفيون : إذا حلفوا وجبت عليهم الدية ، وجاء ذلك عن عمر ، قال: واتفقوا كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء "
الشيخ : يكفي ، الخلاف في هذا معروف مشهور ، ولكن الواجب اتباع ما قام عليه الدليل ، وسيأتي في الحديث الذي بعده ما هو أوضح ، نعم
السائل : ...
الشيخ : كل هذا فيه نظر ، أقرب شيء عندي أن الراوي لما وداه النبي عليه الصلاة والسلام بالإبل وكان الأكثر أن الرسول عليه الصلاة والسلام يكون عنده من الإبل إبل الصدقة ، ظنها من إبل الصدقة ، فقال : من إبل الصدقة ، أو أنه استسلفها من إبل الصدقة على أن يردها من الفيء ، هذا أقرب شيء.