تفسير قول الله تعالى : (( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) . حفظ
ثم قال الله تعالى : (( الله يتوفى الأنفس حين موتها )) (( الله )) مبتدأ وجملة (( يتوفّى )) خبره، والتوفّي بمعنى القبض، كما يقال: توفّى الرجل حقه من غريمه أي: قبضه منه، والأنفس: جمع نفس وهي الأرواح، الأرواح التي بها تحيا الأجساد، والنفس تطلق في القرآن على معانٍ متعددة منها هذا أنها الروح التي بها حياة الانسان، فهو يقبض الأرواح (( حين موتها )) أي حين الموت وهي مفارقة الروح للبدن المفارقة التي تزول بها الحياة.
(( والتي لم تمت في منامها )) (( والتي )): الواو حرف عطف و(( التي )) معطوفة على الأنفس، يعني ويتوفّى التي لم تمت، ولك الخيار في مثل هذا التركيب أن تقول الواو حرف عطف و(( التي )) صفةٌ لمعطوفٍ على ما سبق وتقديره: والأنفس التي لم تمت، ولك أن تعطف الصفة رأساً على ما سبق، وأن تقول (( التي لم تمت )) عطف على (( الأنفس حين موتها )) (( والتي لم تمت )) يتوفاها في منامها أي يقبضُها لكنه ليس قبضا تاما بل قبضٌ مقيّد، ولهذا تجد النائم له إحساسٌ من وجه وليس له إحساس من وجه آخر، فباعتبار القوى الظاهرة لا إحساس له، لا يرى ولا يسمع، وباعتبار القوى الباطنة وأنه لو نُبّه لانتبه يكون حياًّ، فصلة الروح بالنائم غير صلتها باليقظان وغير صلتها بالميت، فهي وسط بين الحي اليقظان وبين الميت .
يقول : (( والتي لم تمت في منامها )) وقد سمّى الله تعالى النوم وفاة فقال : (( وهو الذي وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى )).
(( فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى )) (( يمسك التي قضى عليها الموت )) فلا ترجع إلى جسدها، يمسكها إلى أن يأتي البعث، وقوله : (( قضى )) أي حكم كقوله تعالى : ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه )) أي حكم ألا تعبدوا إلا إياه، والقضاء هنا قضاء كوني.
وأقول قضاء كوني لأن قضاء الله ينقسم إلى قسمين : شرعي وكوني، فالشرعي ما أمر به مثل قوله : (( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه )) ومثل قوله : (( والله يقضي بالحق )) أي يحكم به.
والقضاء الكوني: مثل قوله تعالى : (( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض )) فإن الله لا يقضي بالفساد في الأرض، لا يقضي بالفساد في الأرض قضاء شرعياً إنما هو قضاء كوني، وهنا يقول (( قضى عليها الموت )) قضاء كوني طيب (( قضى عليها الموت ويرسل الأخرى )) وهي التي ماتت في منامها، وهي التي توفاها في منامها يرسلها إلى أجل مسمى، أي إلى أجل معين، ما هو الأجل المسمى ؟ هو الموت، يعني يرسلها تذهب إلى جسدها وتبقى فيه إلى أجل مسمى أي معين محدد.
(( إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) (( إن في ذلك )) يعني الوفاة للنفسين والإرسال لإحداهما وإمساك الأخرى فيه آيات، والآيات التي الآن معنا واضحة جدا أربعة: وفاة الموت، وفاة النوم، إمساك الميّتة، إرسال النائمة، أربع كلها من آيات الله عز وجل، وإنك لتأتي إلى القوم جماعة نائمين فتقول سبحان الله (( ومن آياته منامكم بالليل والنهار )) قوم كأنهم جثث، لا يسمعون اللهم إلا من كان خفيف النوم لكن الأصل أنهم جثث، فتقول: سبحان الذي أماتهم ثم أحياهم بعد أن كانوا شبه أموات فهي آيات، وهي آية أيضاً على البعث فإن النوم وفاة صغرى يبعث الله فيه النائم حتى يحيا يستيقظ تماما، كذلك الإحياء بعد الموت يقضيه الله عز وجل وهو قادر عليه، والعاقل يقيس الغائب على الشاهد والمستقبل على الحاضر ويتبين له الأمر.
وقوله : (( لقوم يتفكرون )) يتفكرون: التفكر إعمال الفكر، إعماله بحيث يدور كارا و راجعا يمينا وشمالا حتى يتبين له ما يتبين بالتفكّر، وضد التفكر الغفلة، وأن يكون القلب حجرا أملس لا يقرّ عليه شيء، لو قرّ عليه حبة من تراب أطارتها الرياح وجرت بها المياه، فالإنسان المتفكر هو الذي ليس بغافل بل يدير فكره يميناً وشمالاً ذاهباً وراجعاً حتى يتبين له الأمر.