وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال : ( يتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ) . رواه الخمسة ، وصححه الحاكم وابن القطان ، ورجح غيرهما وقفه . حفظ
الشيخ : قال: " وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: ( يتصدق بدينار أو بنصف دينار ) رواه الخمسة، وصححه الحاكم وابن القطان، ورجح غيرهما وقفه " :
هذه المسألة مسألة وطء الحائض:
ووطء الحائض لا شك أنه حرام بنص القرآن، قال الله تعالى: (( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن )).
ومتى يرتفع هذا التحريم؟
قيل: إنه يرتفع بانقطاع الدم.
وقيل: إنه يرتفع بالاغتسال .
فالذين قالوا إنه ينقطع بانقطاع الدم قالوا إن الله قال: (( لا تقربوهن حتى يطهرن )) : والطهر هنا هو انقطاع الحيض.
وقوله: (( فإذا تطهرن )) أي: من الحيض، والمراد بذلك أن تغسل محل الدم والفرج فتحل بعد ذلك، وليس المراد الاغتسال، وأن المرأة إذا طهرت من الحيض وغسلت الفرج وما أصاب الدم فإنه يجوز للزوج أن يجامعها، وهذا رأي ابن حزم -رحمه الله- لكنه ضعيف.
والصواب أن المراد بالتطهر الاغتسال، لقول الله تعالى: (( وإن كنتم جنبا فاطهروا )) فسمى الاغتسال اطَّهارا يعني: تطهرا، وهذا أحوط وأبرء للذمة ولعله أصح للمرأة، لأن المرأة بعد الاغتسال سوف يكون لها نشاط وتعود عليها قوتها وتكون متهيئة للجماع.
ولكن إذا فعل الإنسان فجامع في الحيض فهو آثم بلا شك، إلا أن يكون جاهلا، فالجهل عذر، لكن إذا كان عالما فهو آثم.
ثم هل يلزمه مع ذلك مع التوبة إلى الله عز وجل أن يتصدق بشيء؟
في هذا خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: لا شيء عليه، عليه أن يتوب فقط، ولا يلزمه أكثرُ من ذلك، والأصل براءة الذمة فلا نلزم المسلمين بشيء إلا بيقين، لأنك إذا ألزمته شيئا فقد استبحت بعض ماله بقدر ما تلزمه، ومن الذي أحل لك ماله حتى يخرجه من ملكه إلى الفقير مثلا، والأصل احترام الأموال، ولا نُلزم الناس ببذلها إلا بدليل، فصار عندنا أصلان:
الأول: براءة الذمة. والثاني: عصمة المال واحترامه، فكيف نقول لهذا الرجل: عليك الكفارة ونخرج شيئا من ماله بغير دليل شرعي.
وقال بعض أهل العلم: بل عليه الكفارة لحديث ابن عباس الذي ساقه المؤلف رحمه الله.
والكفارة إما دينار أو نصف دينار، والدينار الإسلامي: مثقال من الذهب، يعني: ما يزم مثقالا من الذهب أو نصف مثقال، وقيمته معروفة عند أهل الصرف.
ولكن الحديث كما تشاهدون اختلف العلماء في رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأكثر المحدثين على أنه موقوف على عبدالله ابن عباس رضي الله عنه.
ثم الحديث فيه اضطراب في إسناده، وفيه أيضًا شيء من الاضطراب في موجبه ومقتضاه: دينار أو نصف دينار، ولم يرد مثل هذا التخيير في جنس واحد في أي كفارة من الكفارات:
التخيير الذي يكون في الكفارات يكون بين جنسين: إطعام كسوة عتق مثلا في كفارة الأيمان، أما أن يكون دينار أو نصفه فهذا لا يستقيم.
ثم هل الحديث صريح في الوجوب؟
الحديث يقول: ( يتصدق ) فيحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب ويحتمل أن يكون على سبيل الوجوب، واحتمال كونه على الوجوب أقرب لأنه في مقابلة ذنب، والذنب لا يرفع إلا بواجب، لكن يبقى النظر في كونه مخير بين الدينار أو نصفه فهل هذا مستقيم؟
ثم يبقى النظر أن الحديث مختلف فيه هل هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول ابن عباس .
ثم الحديث أيضا فيه اضطراب في سنده ، ولذلك عدل عنه الإمام الشافعي رحمه الله وقال: " إن وطء الحائض ليس فيه كفارة ولو صصح الحديث لقلت به " ، ولكن لا شك أن الإنسان إذا احتاط وكان الله قد أعطاه سعة من المال وكفر فإن هذا يكون سبباً لردعه عن العودة إليه .
فإخراج الكفارة بلا شك أولى وأسلم من التبعة .
طيب قلنا: التخيير فيه إشكال، وهو كيف يخير بين شيئين من جنس واحد أحدهما أقل من الآخر؟
فيقال: هذا من فضل الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى أوجب الدينار وهذا على الكمال، أو نصفه وهذا على الإجزاء، فالكمال دينار والإجزاء نصف دينار.
على أن بعض العلماء قال: إن هذا التخيير ليس تخييرا تشهياً ولكنه تنويع: وأنه إذا كان الجماع في فور الحيض فدينار، وإن كان في آخره فنصف دينار، لأن الحيض في فور الدم أشد ضررا وأكثر إثما، نعم، ولكن الذي يظهر والله أعلى أنه على التخيير مطلقا.