تفسير الآية : (( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ... )) . حفظ
ثم قال الله تبارك وتعالى: (( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ... )) الاستفهام هنا استفهام تعجيبي يعني اعجب لحال هؤلاء ، وقوله: (( تر )) يحتمل أن تكون الرؤية علمية أو رؤية بصرية ، و الظاهر أنها رؤية علمية يعني تعجب من حال هؤلاء بقلبك وبفكرك (( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديهم )) والقائل هنا مبهم والظاهر أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوله: (( كفوا أيديهم )) أي منعوها عن القتال ، وذلك أن بعض الصحابة الذين كانوا في مكة لما ظلمتهم قريش وضيقت عليهم قالوا أفلا نقاتلهم ؟ لماذا يحجرون علينا ويظلموننا ؟ أفلا نقاتلهم ؟ فقيل لهم كفوا أيديكم لا تقاتلوا لأن القتال في غير موضعه مهلكة فلا تقاتلوهم ، كفوا أيديكم ، وتعلمون أن الناس في مكة متهدون مظلومون ليس لهم شوكة وليس لهم دولة ، فالقتال غير لائق إطلاقا بل قيل لهم: (( كفوا أيديكم )) أي عن ؟ عن القتال ، والدليل أن المراد عن القتال قوله تعالى: (( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة )) أي كف ذلك كف عن القتال ، (( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة )) يعني قوموا بالعبادات الخاصة التي ليس فيها قتال ولا جهاد ، وهذه عبادة خاصة بالإنسان لا تتعداه إلى غيره (( وآتوا الزكاة )) وهذه عبادة تتعداه إلى غيره لكنها عبادة ، فالزكاة مثلا لا يراد بها مجرد الإحسان إلى الفقراء ، أهم شيء فيها أن تتعبد لله ببذل المحبوب وهو المال لنيل المطلوب ، ولهذا ي ... من يفهم من الزكاة أنه لا يراد بها إلا مجرد ... المستحقين ، هذا ليس المقصود ، المقصود التعبد لله ببذل ما تحب ، وكلنا نحب المال كما قال تعالى: (( وتحبون المال حبا جما )) وقال: (( وإنه لحب الخير )) أي المال (( لشديد )) ، فيقول: (( أقيموا الصلاة )) وهي العبادة خاصة لا تتعدى الإنسان (( وآتوا الزكاة )) وهي عبادة متعددة ، (( وآتوا الزكاة )) الصلاة معروفة هي عبادة أو هي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم ، وهنا يجب أن تلحقوا بالتعريف الذي عرفه الفقهاء في العبادات أن تلحقوا بها " التعبد لله " ، نحن نجد في كتب الفقهاء مثلا: الصلاة هي " أقوال وأفعال معلومة " هذه ما يكفي هذه ، لأن الإنسان لو أراد أن يقول هذه الأقوال ويفعل هذه الأفعال بدون تعبد ، لا ما صحت صلاته ، يجب أن نزيد أيش ؟ " التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم " ، ثانيا الزكاة ؟ الزكاة هي " التعبد لله ببذل جزء من المال على وجه مخصوص " معروفة من السنة ، وقوله: (( وآتوا الزكاة )) نعلم أن آتى تنصب مفعولين ، أصلهما ؟ ليس أصلهما المبتداء والخبر بل من باب كسا ، فإذا (( آتوا الزكاة )) الفاعل مفعول الثاني محذوف ، تقدير: مستحقها ، أو أهلها . (( فلما كتب عليهم القتال )) أي فلما فرض ، والكتب بمعنى الفرض لقوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام )) وقوله تعالى: (( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا )) أي فرضا ، (( كتب )) أي فرض ، ومتى فرض ؟ فرض حين هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة وكان لهم دولة وكان لهم شوكة أمروا بالجهاد (( وأذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير )) وكان فرض الجهاد في السنة الثاني من الهجرة ، فرض الجهاد على المسلمين (( لما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية )) (( إذا فريق )) ممن ؟ من الذين طلبوا أن يقاتلوا وهم في مكة فلما كتب عليهم القتال في المدينة تخلف فريق منهم وزالت عظيمة التي كانت لهم في مكة (( إذا فريق منهم )) أي طائفة منهم (( يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية )) (( يخشونهم )) أي يخافونهم ويتقونهم (( كخشية الله )) أي كخشيتهم لله ، ولهذا نقول إن هذا المصدر مضاف إلى مفعوله أو فاعله ؟ مفعوله ، و التقدير: كخشيتهم لله ، (( أو أشد خشية )) أو حرف عطف ، لكن هل هي للشك ؟ أو للتنويع ؟ أو للإظهار ؟ نقول أما للشك فلا ، لماذا ؟ لأنه لا يمكن أن الله يشك عزوجل ، الله أعلم ، الإنسان يشك يقول هذا مثل هذا أو أحسن ، هل هي للتنويع يعني إن بعضهم يخشون الناس كخشية الله وبعضهم يخشون الناس أشد خشية ؟ يحتمل ، أو للإضراب وأن المعنى: بل أشد خشية ، أو لتحقيق ما سبق ؟ يحتمل أيضا ، ولهذا لما قال الله تعالى: (( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون )) أرسلناه إلى مائة أو يزيدون ، قال العلماء كيف أو يزيدون ؟ الله لا يعلم ؟ يعلم عزوجل أنهم بعدد معين فكيف قال (( أو يزيدون )) ؟ نقول: لاشك هنا أو ليس للشك قطعا ، لكن بعضهم قال إنها للإضراب والمعنى: بل يزيدون ، وبعضهم قال إنها لتحقيق ما سبق ، كما تقول هذا مثل هذا إن لم يكن مثله فهو أعلى منه مثلا ، فيكون أو لتحقيق ما سبق ، أما للتنويع في الآية (( أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون )) فلا تأتي ، لأنها طائفة واحدة لا يمكن فيها التنويع ، على كل حال ؟أو في مثل هذا السياق لا يمكن أن نجعلها للشك ، لأن الشك لا يمكن أن يقع في خبر الله عزوجل ، (( أو أشد خشية )) يعني أعلى وأعظم خشية ، واعلم أن الخشية والخوف تترادفان بمعنى أن إحداهما أي إحدى الكلمتين يأتي بمعنى في المكان الآخر كثيرا ، لكن قالوا إن هناك فرقا دقيقا بينهما ، فمن الفروق أن الخشية مبنية على العلم ، مبنية على علم بخلاف الخوف فقد يأتي على وهم لا حقيقة له ، لكن الخشية عن علم ، قد يرى الإنسان شبها من بعيد فيظنه عدوا فيخاف ، نقول هذا خوف أو خشية ؟ خوف ، لأنه مبني على وهم قد يكون شجرة ، لكن إذا رأى أنه عدو وأنه متسلح حينئذ يخشاه ، واستدلوا لقولهم هذا بقوله تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )) وأورد على هؤلاء قوله تعالى: (( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون )) وهنا الخوف ، فأجيب بأن قوله: (( من فوقهم )) يمنع أن يكون هذا الخوف وهما بل هو خوف عن علم ، كذلك قالوا إن الخشية تكون من عظمة المخشي والخوف يكون إما من عظمة المخوف وإما من ضعف الخائف ، انتبه ! وعلى هذا فإذا خاف صبي له سبع سنوات من صبي له عشر سنوات نقول هذه خشية أو خوف ؟ خوف ، لأن الصبي الذي له عشر سنوات ضعيف ما يخشى منه ، لكن لضعف الصبي الثاني الذي له سبع سنوات صار يخاف ، فنقول هذا خوف وليس بخشية ، خشية الله عزوجل خشية لاشك ، لأنها لعظمة المخشي عزوجل ، وكل من سوى الله فهو ضعيف بالنسبة لله تعالى كما قال تعالى: (( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة )) وقالوا أيضا إن الخشية أشد ، أشد من الخوف ، واستدلوا لهذا بالاشتقاق قالوا لأن الشين والياء والخاء في جميع تصرفاتها تدل على غلظة ومنه الشيخ ، شيخ ، شين ياء خاء ، تدل على كبر ، تقدم السن ، والإنسان إذا كبر وتقدم سنه صلب عوده إذا أردت أن تعدله انكسر ما فيه ، لكن الصغير لين يمكن تعدله إذا مال ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يوصي السرايا والبعوث قال: ( اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم ) أي شبابهم ، وقال أيضا من الخيش ، أيش معناه ؟ ما فيه معنى ، خاء ، ياء ، شين ، الخيش غليظ أو ، أيها الحرير ؟ الخيش ، ... قالوا أنه أغلظ وهذا يدل على أن الخشية أعظم ، أعظم وأشد ، يقول: (( يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية )) . وقال: (( ربنا لم كتبت علينا القتال )) سبحان الله بالأمس تطلبونه والآن تعترضون عليه ؟ وهذا يدل على ضعف الإنسان مهما بلغ في المنزلة ، (( لم كتبت علينا القتال )) ((لم )) الاستفهام إما للتعجب وهو أليق بحال الصحابة وإما للإنكار وهو بعيد بالنسبة لحال الصحابة رضي الله عنهم ، (( لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب )) (( لو لا )) بمعنى هل لا ، فهي للتحقيق (( أخرتنا إلى أجل قريب )) ولم يقولوا: إلى أجل بعيد ، لأن الدنيا كلها قريب مهما طال الإنسان الحياة فإنها قريب ، وهذا يدل على جبن وخور ، لأنه لا يلزم من فرض القتال أن يموتوا ، وكم من إنسان قاتل وجالد وخا .. الغمار وقطع صفوف الأعداء ولم يقتل ، ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه ، كم قاتل وكم حارب ، ومات على فراشه وقال " ها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار فلا نامت أعين الجبناء " فيقال لا يلزم من القتال أن يقتل الإنسان ، يفرض عليه الجهاد ويجاهد وينزل ، (( لو لا أخرتنا إلى أجل قريب )) وهنا يحتمل أن يكون (( قريب )) من كلامهم وأنهم لا يريدون امتداد العمر الطويل لأنهم يعرفون أن الدنيا كلها قريبة ، ويحتمل أن كلامهم منقطعا إلى قوله: (( إلى أجل )) ولكن الله بين أن الأجل مهما كان فهو قريب . (( قل )) الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام (( متاع الدنيا قليل )) أي والله أن متاع الدنيا قليل لا بالنسبة لنوعه ولا لجنسه ولا لأمده ، قليل ، كل ما في الدنيا من النعيم لا يقاس بنعيم الآخرة ، كما قال تعالى: (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )) حتى ما يوجد في الدنيا ويوجد له نظير في الآخرة فالفرق عظيم ، الفرق بينهما كالفرق بين الدنيا والآخرة (( فيهما فاكهة ونخل ورمان )) لحم ، خمر ، لبن ، ماء ، عسل ، لكن هل هذا مثل هذا ؟ أبدا ، لا يمكن أن تصور ما في الآخرة (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين )) ، أيضا قليل من جهة أمده ، من جهة أمده مهما كان فهو قليل ، الذين بقوا في كهفهم ثلاث مائة سنين قالوا: (( لبثنا يوما أو بعض يوم )) والذي أماته الله مائة عام ثم بعثه قال: (( لبث يوما أو بعض يوم )) وقد قال الله تعالى: (( أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون )) مهما طال الأمد في الدنيا فإنه قليل ، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) ولهذا قال: (( والآخرة خير لمن اتقى )) الآخرة خير ، خير من أين ؟ من الدنيا وهي اسم تفضيل حذفت منه همزة أفعل تخفيفا لكثرة وروده في كلام الناس ، ومثله شر ، ومثله الناس وأصله أناس ، ومثله الله أصله إله ، فالعرب يحذفون أحيانا بعض الحروف في الكلمة لكثرة استعمالها ، (( خير )) في أي شيء ؟ خير في نوعه ؟ وجنسه ؟ ومدته ؟ ولهذا قال في سورة سبح: (( بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى )) ، وقوله: (( لمن اتقى )) هذا قيد لابد منه ، لأن الآخرة ليست خيرا لغير المتقين بل هي شر وإنما هي خير لمن اتقى ، واتقى أصلها من الوقاية فأصل اتقى انتقى ، لكن قلبت الواو تاء لعلة تصريفية ثم أدغمت التاء بالتاء ، وهنا ذكرت التقوى ، واعلم أنه إذا ذكرت التقوى وحدها شملت البر ، وإذا ذكر البر وحده شمل التقوى ، وإذا ذكر البر والتقوى جميعا صار البر فعل الطاعات والتقوى ترك المحرمات ، فقوله تعالى: (( وتعاونوا على البر والتقوى )) البر فعل الطاعات ، التقوى ترك المحرمات ، هنا (( لمن اتقى )) يشمل البر والتقوى ، وقوله: (( خير لمن اتقى )) يعني أما غير المتقين فليست خيرا له وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يتعلق بذلك ، (( ولا يظلمون فتيلا )) فيها قراءتان: (( ولا يظلمون )) (( ولا تظلمون فتيلا )) كما أن فيه أيضا كلمة سبقت فيها ثلاث قراءات وهي قوله: (( عليهم )) (( فلما كتب عليهم )) فيها: ضم الهاء والميم ، وكسر الهاء وضم الميم ، وكسرهما جميعا ، ضم الهاء والميم ، وكسر الهاء والميم ، وكسرهما جميعا ، الأول (( عليهم )) والثاني (( عليهم )) و الثالث (( عليهم )) (( عليهم القتال )) ، الثاني كسر الهاء وضم الميم (( عليهم القتال )) هذا هو المعروف في المصحف الآن كسر الهاء وضم الميم . (( ولا يظلمون فتيلا )) وفي قراءة (( ولا تظلمون فتيلا )) إن كانت في التاء فهي من جملة القول الذي أمر الله نبيه أن يقوله ، (( ولا تظلمون فتيلا )) يعني قل لهم ، وإن كانت بالياء فهي من كلام الله عزوجل يعني (( ولا يظلمون فتيلا )) تكون من الله عزوجل ، الفتيل هو الخيط الذي يكون في بطن النواة ، النواة فيها ثلاثة أشياء يضرب المثل في الحقارة: النقير ، والقطمير ، والفتيل ، الفتيل هو الخيط الذي يكون في بطن النواة ، نواة تعرفون ؟ ... تمر ، في بطنها خيط تعرفه ؟ أي خارج ما فيه وسطه ، هذا يسمى فتيل ، عليها سلك يسمى قطمير ، في ظهرها نقرة يسمى النقير ، هذه النقرة منها يخرج العرق إذا دفنتها في الأرض وأراد الله عزوجل أن تنبت خرجت العرق من هذه النقرة ثم انتشر في الأرض ، بعد مدة يكون كل المخ الذي فيها راح وانسحب ما يبقى إلا القشر الذي هو جلدها ليس القطمير ، يضرب لهذه الأشياء الثلاثة المثل في قلة الشيء وحقارته يعني أن جميع الناس لا يظلمون فتيلا ، كل يجازى بعمله ، ولكن بقي أن يقال كم عمر الكافر في الدنيا ؟ لنقول مائة سنة ، كم يبقى في النار ؟ أبد الآبدين ، لو قال قائل: هذا ظلم لأنه كيف الجزاء أبد الآبدين والعمل محدد مائة سنة ؟ نقول استوعب ظلمه وكفره جميع حياته في الدنيا فليستوعب جزائه جميع بقائه في الآخرة ، ثم هو قد أعذر إليه وقد بين له ليس له عذر ، الأمر ليس مبهما حتى يقال إنه ظلم .