ما قولك فيمن لا يسأل الشيخ في درسٍ خشية الناس ؟
الشيخ : الجواب : (( والله أحق أن تخشوه )) ، فإذا كانت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- تترحم على نساء الأنصار بقولها : " رحم الله نساء الأنصار ، لم يمنعهن حياؤهن أن يتفقهن في الدين " ، فأولى بالرجال أن لا يمنعهم الحياء أن يتفقهوا في الدين ، فلماذا يستحي الإنسان أن يسأل الشيخ وبخاصة أنني لم أفهم مِن السؤال أنه سؤال خاص ، إنما هو سؤال عام ، فلو كان السؤال سؤالاً خاصًا أولاً بالشخص ، وفيما يتعلق بالأمور الداخلية ، أو النسائية ثانيًا ، فهنا يأتي أثر السيدة عائشة المذكور آنفا : " رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن حياؤهن أن يتفقهن في الدين " : أي لم يمنعهن حياؤهن ، هذا الحياء الذي فطرن عليه ، أو لعلَّ الأصح والأدق أن نقول : الذي كن فطرن عليه ، لأن اليوم اختلف الجو .
فمع هذا الحياء ما كان يمنعهن الحياءُ أن يسألنَ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عمَّا يخصهن من الأمور الباطنة ، التي يخجل كما ترون الآن الرجال أن يسألوا مثل تلك الأسئلة ، أما نساء الأنصار فكن يجمعن في ذات نفوسهن بين الحياء الذي قال عنه -عليه الصلاة والسلام- : ( الحياء من الإيمان ) ، وفي الحديث الآخر : ( الحياء خير كلُّه ) ، ومع ذلك فما كان ليمنعهن مثل هذا الحياء أن يسألوا أو أن يسألن عن ما يتعلق بأمور دينهن ، ولو كان مما لا يطيب لهن عادة أن يفصحن به وأمام الرجال ، فأولى وأولى أن لا يخجل أي سائل أن يسأل الشيخ سؤالاً ما ، ولو كان مِن قَبيل ما يستحيي النساء عادة _ليس الرجال _ أن يفصحوا بالسؤال عنه ، هذا أولاً .
وثانياً : قد يمكن أن يخجل بعض السائلين أن يتوجهوا بشيء من أسئلتهم أمام بعض الشيوخ الذين لهم مواقف خاصة بالنسبة لتلامذتهم ، أو مريديهم كما يقولون ، وحينئذ نحن نعتبر مثل هذا الحياء وصمة عار لنا ، لأن هذا المشار إليه والمجهول لديكم ولدينا جميعًا والحمد لله ، فهو يغمز من قناتنا ويريد أن يسوينا مع سائر الشيوخ ، ولا ينبغي هذا ، طيب غيره .
ماذا يفعل المبتلى بالنظر إلى النساء انصحونا جزاكم الله خيرا ؟
الشيخ : الجواب في هذا ينبغي أن نستنبطه من بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ، وكل منهما يلتقي مع قوله -عليه الصلاة والسلام- : ( المجاهد مَن جاهد نفسه لله ، المجاهد من جاهد هواه ) ، في رواية أخرى : ( لله تبارك وتعالى ) ، أما الحديثان اللذان يشملهما جهاد النفس : أولهما قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( يا علي النظرة الأولى لك ، والثانية عليك ) ، والحديث الآخر ، وهو في الواقع أسلوب تربوي نبوي قلَّ من يهتم به لمعالجة شهوة النفس التي تظهر بتأكيد البصر ، والجس واللمس ونحو ذلك ، مما يعتبر مِن مقدمات الزنا فقد قال -عليه الصلاة والسلام ، والحديث في اعتقادي معروف لديكم جميعًا ، ولكني أرجو الانتباه إلى ما سيلقى عليكم مِن البيان- ، ذاك الحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام_ :
-لو اتبعتم إخواننا هؤلاء ، واستننتم بسنتهم ، لأن الانضمام في المجلس هو من آداب المجالس الشرعية- .
السائل : هل بقي كلام في السؤال السابق حفظك الله ؟!
وصل بنا حديثنا السابق ، جواب عن سؤال السائل عن معالجة من ابتلي بالنظر إلى ما لا يحل له من النساء ، فوصل بي حديثي إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( يا معشر الشباب ، مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ، والشاهد من هذا الحديث الصحيح إنما هو قوله -عليه الصلاة والسلام- : ( فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) ، فإنه مما لا شك فيه أنه لا يستوي الأعزب غير المتزوج مع المتزوج من حيث أن الأول لا يجد سبيلاً مشروعاً ليُخرج شهوته من صدره ، خلافاً للزوج أو الرجل المتزوج ، فقد جاءت الإشارة في الحديث الصحيح ومعناه : ( أنه إذا وقع بصر أحدنا على امرأة فأعجبته ، فليأت زوجته ، فإن الذي معها مثل الذي معها ) ، هذا علاج الشهوة بالنسبة للرجل المتزوج .
أما الأعزب الذي لا زوجة له ، حديثنا السابق : ( فإنه له وجاء ) وهو من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يصف العلاج للشباب الذي لا يجد الباءة ، القدرة المالية على الزواج ، فإلى أن يتيسر له ذلك يأمره -عليه الصلاة والسلام- بالصيام ، ومعنى ذلك أنه مَن كان مبتلىً بتوجيه النظر إلى النساء ، فعليه أن يُكثر مِن الصوم بشهادة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هذه الصادقة : بأن الصوم له وجاء .
والوجاء في اللغة هو : بالنسبة للحيوان الذي تدق خصيتاه ، والذي يَحمل صاحبه على ذلك ، هو أن يسمِّنه ، فتذهب قوة شهوته إلى قوة بدنه ، فيكتنز بدنه باللحم والشحم ، ولذلك يدقون خصيتيه فلا يعود بعد ذلك ينزو على أنثاه ، لأنه قد دُقت خصيتاه ، وقد شبه النبي -صلى الله عليه وسلم- صيام الصائم مِن حيث أن هذا الصيام يقضي على شهوته كدق خصيتي الحيوان ، هذا هو العلاج لكبح جِماح النفس بالنسبة للشباب المتحرِّق والذي غلبته الشبق والشهوة الجنسية ، علاجه إنما هو الصوم .
هل يجوز للشاب أن يستمني خشية أن يقع في الزنا ؟
الجواب : لا يجوز ، وذلك لسببين اثنين : السبب الأول : هو أن هذا العبث خلاف الطريقة المشروعة لقضاء الإنسان لشهوته ، وذلك ما جاء النص عليه في قوله تبارك وتعالى : (( والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك همم العادون )) أي : الباغون ، الظالمون لأنفسهم ، لمخالفتهم لشريعة ربهم الذي دلهم على طريقة إخراج الشهوة ، وهو سبيلان : أحدهما : الزواج المعروف دائما وأبدا ، والآخر : التسري المفقود اليوم ثانيًا ، وفقدنا إياه بسبب انصرافنا عن طاعة الله عز وجل في كثير من أحكام شرعه ، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله ، لأن التسري لا سبيل للوصول إليه إلا بطريق مقاتلة الكفار الذين يصدون عن سبيل الله تبارك وتعالى ، فحينما يقع مِن هؤلاء الكفار أسرى في أيدي المسلمين رجالًا كان الأسرى أم نساءا ، يصبحون أرقاء ، وتصبح النساء عبيدات ، سرايا للأزواج الذين حصلت السرايا مِن حصتهم .
هذا التسري اليوم _بسبب الإعراض عن الجهاد في سبيل الله عز وجل_ مع الأسف لا وجود له ، ونرجو من الله تبارك وتعالى أن يعيد المسلمين إلى العمل بأحكام دينهم ، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل ، وليس في سبيل التسري ، لأن التسري ليس غاية ، وإنما هو ثمرة ونتيجة ، والغاية الجهاد لتكون كلمة الله تبارك وتعالى هي العليا .
فإذا كان السبيل ليوم محصورا في الزواج فعلى كل شاب أن يسعى حثيثًا وراء الزواج الشرعي هذا ، ولا شك أنَّ الأمور مرهونة بأوقاتها ، (( ولكل أجل كتاب )) كما قال الله عز وجل ، فريثما يتيسر لهذا الشاب المسلم أن يتزوزج فعليه بالصوم ، لأن الصوم يقوم بالنسبة إليه كالوجاء ، أما الاستمناء فليس هو سسبيل المعالجة لما ذكرنا آنفاً من الآية الكريمة : (( فأولئك هم الباغون )) أي : العادون الظالمون لأنفسهم ، وثانيًا : فيه مخالفة لهذه الوسيلة التربوية التي حض النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الشبابَ أن يلجؤوا إليها حينما لا يتيسر لهم الباءة وهي القدرة على الزواج ، وثالثًا أخيرًا : فقد ثبت طبيًا أن للاستمناء أضراراً كثيرة وكثيرة جدًا ، قد تكون أحياناً مِن آثارها أن الذي ابتلي بالاستمناء لا يصلح أن يكون زوجًا فيما بعد ، لأنه يصاب بقليل أو بكثير من الارتخاء ، ولذلك فعلى الشباب أن يتقوا الله -عز وجل- وأن يصبروا ، وأن يتبعوا نصيحة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- : ( فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) نعم .
السائل : جزاكم الله خيرًا .
الشيخ : آمين .
هل يكتفى بحفظ متن العقيدة الطحاوية أم يبدأ طالب العلم بحفظ القرآن الكريم ؟
الشيخ : الجواب عن هذا السؤال ينبغي أن نقدم له بكلمة لعها تكون موجزة :
العلم مِن حيث وجوب تحصيله ينقسم إلى قسمين : واجب أو فرضٌ عيني ، فرضٌ عَيني لابد منه لكل مسلم ، والقسم الآخر : فرضٌ كِفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، على ضوء هذا التقسيم العلمي الصحيح يجب أن ينطلق الشاب المسلم في طلبه للعلم ، فلا يُقدِّم الفرضَ الكفائي على الفرض العيني ، لأن الفرض الكفائي إذا لم يقم هو بشخصه به فليس آثماً ، أما الفرض العيني إذا لم يقم هو به فهو آثم .
إذا كان الأمر كذلك ووضح لكم الجواب ، حينئذ نعود إلى الإجابة عن السؤال فنقول :
قبل أنْ يهتمَّ المسلم بحفظ القرآن كله أو بعضه ، فضلاً عن أنه قبل أن يهتم بحفظ كثير مِن أحاديث نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- فعليه فرضَ عَينٍ أن يصحح عقيدته ، بعد ذلك فقراءتُه للعقيدة الطحاوية ، هذه الرسالة المباركة المكثفة ، والتي جمعت ما يجب على كل مسلمٍ أن يعتقده فهذا فرضُ عين على كل مسلم ، لا أقول الآن : فرض عين عليه أن يقرأها ، لأن مجرد القراءة _نعلم كثيرًا من الناس اليوم يقرؤون القرآن ، ولكنهم لا يتدبرون القرآن خلافا لقول ربنا عز وجل : (( أفلا يتدببرون القرآن أم على قلوب أقفالها ))- فإذًا ليس المقصود مِن قراءة العقيدة الطحاوية مجرد القراءة ، وإنما قراءة مقرونة بالفهم ، وهذا في اعتقادي لا يتيسر لكل شاب يستطيع أن يقرأ ، فقد يقرأ وقد يفهم وقد لا يفهم ، ولذلك فعليه أن يستعين فيما إذا أَشكل عليه شيء مما يقرؤه ، بسؤال مَن حوله من أهل العلم إعمالاً منه لقوله تبارك وتعالى : (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) ، فإذا انتهى طالب العلم مِن قراءة هذه العقيدة وفهمها وتبنيها إلا ما استُثني منها ، وهنا يظهر أهمية العالم الذي لابد أن يتوجه إليه بسؤاله في بعض ما قد يُشكل عليه .
إذا انتهى مِن هذه العقيدة وفهمِها وتبنيها ، فليس معنى ذلك أن هذا المسلم قد أدى الفرض العيني بكل تفاصيله ، ليس كذلك ، بل عليه كذلك أن يصحح عبادته : أن يصحح طهارته ، أن يصحح صلاته ، وكذلك صيامه ، وهذا أمرٌ لابد منه لكل مسلم بالغ مكلف _الصلاة ، والصيام_ ، فإذا كان غَنياً فيجب عليه وجوباً عَينياً أن يعرف أحكام الزكاة التي تتعلق بماله ، كذلك أن يعرف كيف يحج إلى بيت الله الحرام ، وهكذا ، فما كان مِن الأحكام الشرعية متعلقاً بالإنسان بشخصه : كالصلاة والصيام ، فعليه أيضاً أن يتقن الأحكام التي تتعلق بتصحيح طهارته ، وصلاته ، وصيامه ، بعد ذلك يتوسع في العلمِ سواء في حفظ القرآن ، أو في حفظ حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- أو في حفظ الفقه ، سواء كان فقهاً مذهبياً ، أو كان فقهاً مقارناً .
المهم أن نُفرِّق بين طلب العلم الذي هو فرض عَين على كل مسلم ، وطلب العلم الذي هو فرضُ الكفاية ، ومِن الفرض العيني تصحيح العقيدة وتصحيح العبادة ، نعم .
السائل : جزاكم الله خيرا .
ما حكم دخول المقابر بالنعال ، وما الحكمة من ذلك ؟
الشيخ : إن شاء الله .
السائل : دخول المقابر بالنعال واجب أم مستحب ؟ هكذا كتب !!
الشيخ : إي نعم ، دخول المقابر بالنعالِ منهي عنه شرعًا ، فلا يجوز للمسلم أن يدخل المقبرة في نعليه ، بل إذا أَشرف على الدخول خلع نعليه ، وتركهما جانباً ، وهذا إذا كان مضطراً ليمشي بين القبور ، لأن كثيراً مِن المقابر ليست منظمة تنظيماً بحيث أن الماشي بينها يطمئن أنه لا يدوس بقدمه على قبر منها ، فقد يمشي والقبر تحته .
فهنا المشكلة قد تنفرد وقد تزدوج ، إذا كان يمشي حافياً على القبور فهذا المشي إهانة للقبور ، وهذا لا يجوز لقوله -عليه الصلاة والسلام- : ( لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها ) .
في هذا الحديث فقه متقابَل ، فهو مِن جانب يأمر المسلم أن يحترم أموات المسلمين ، وأن لا يهينها ولو بالدَّوس بأقدامه عليها ، فيقول : ( لا تجلسوا على القبور ) ، ومن جهة أخرى يأمرنا أن لا نبالغ في تعظيمها ، ومن ذلك أنْ نُصلي إليها ، فهذا مبالغة في تعظيم المقبور ، فنهى عن ذلك الرسول -عليه السلام- كما نهى عن الجلوس على القبر ، ولا شك أن كلا مِن المنهيين : ( لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها ) ، هو من القسم الذي يقول عنه بعض الفقهاء المتأخرين : إنه معقول المعنى ، النهي عن الجلوس على القبر ، والنهي عن الصلاة إليه ، أمر معقول المعنى ، أي إذا سأل سائل : لماذا نهى الشارع الحكيم عن الجلوس على القبر ؟
الجواب: احترامًا له ، وتقديراً له ، كما نهى عن شيء آخر أهم منه في قوله -عليه الصلاة والسلام- : ( كسر عظم المؤمن ككسره حياً ) هذا تعظيم لقدر المؤمن الميت ، حتى قال -عليه الصلاة والسلام- : ( كسر عظمه وهو ميت ككسره وهو حيٌّ ) .
فإذن ( لا تجلسوا على القبور ) هذا الحكم معقول المعنى أي : تكريماً لهذا المسلم ، وإبعادًا للمسلم الحي عن إهانة الميت ، لأنه لا يزال له حرمة ، وعلى العكس من ذلك : ( لا تصلوا إليها ) أيضًا حُكمٌ معقول المعنى ، لماذا ؟ لأن فيه تعظيماً لعبادة لا يجوز للمسلم أن يتوجه بها إلا إلى الله تبارك وتعالى ، فلا يجوز التوجه بهذه العبادة إلى القبر ، إذن هنا نهيٌ عن الجلوس إكراما لهذا الميت .
كذلك السير بين القبور : إذا كنت لا تمشي على أرض ليس تحت قدميك قبر ، إذا كنت تمشي على أرض لا تعلم ، إلا إذا كان هناك حاجة ملحة ، كأن يصل إلى قبر يريد أن يدفن فيه صاحبه أو قريبه ، فبالأولى والأحرى أن لا يجوز للمسلم أن يمشي بين القبور في نعليه ، وهذا فيه حديث صريح : فقد جاء في مسند الإمام أحمد ، وبعض السنن ، والصحاح كصحيح ابن حبان أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رأى ذات يوم رجلاً مِن أصحابه -واسمه : بشير بن الخَصاصِيَة- رآه يمشي بين القبور في نعليه ، فناداه وقال له : ( يا صاحبَ السَّبتِيَتَين اخلع نعليك ) ، يا ضاحب السَّبتِيَتَين : نوع من النعال أي : اخلع نعليك ، ولا تمش بهما بين القبور .
فلذلك فالسؤال السابق كأنه كان مقلوباً على السائل ، حيث قال : هل يجب أو يستحب ؟
فظني أن قلمه أو فكره سبقه ، كان يريد أن يقول : هل يحرم أو يكره ، فقال مقابل ذلك : هل يجب أو هل يُستحب ؟
كيف التوفيق بين حديث صاحب السبتيتين ونهيه عن لبسهما في المقبرة وبين حديث : ( إذا انصرف الناس من دفن الميت فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون ) ؟
هو حديث أنس بن مالك في صحيح البخاري ، الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( إذا انصرف الناس من دفن الميت ، فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون ) ، إذن هذا الحديث فيه بيان أنَّ الناس حينما يدفنون أمواتهم ، ويأتون المقابر في نعالهم ، بدليل أنهم حينما ينصرفون : إن ذاك الميت الذي دفنوه آنفاً يسمع قرع نعالهم ، وهم عنه مدبرون .
وجوابنا على هذا الزعم أن هذا الحديث لا شك كما قلنا آنفًا : إنه صحيح بل أصح مِن حديث السَّبتيتين ، ولكن لا تعارض يبنهما إطلاقاً .
6 - كيف التوفيق بين حديث صاحب السبتيتين ونهيه عن لبسهما في المقبرة وبين حديث : ( إذا انصرف الناس من دفن الميت فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون ) ؟ أستمع حفظ
توضيح الشيخ لما يجب على طالب العلم من العمل اذا تعارض عنده حديثان صحيحان ، أو أحدهما صحيح والآخر أصح .
7 - توضيح الشيخ لما يجب على طالب العلم من العمل اذا تعارض عنده حديثان صحيحان ، أو أحدهما صحيح والآخر أصح . أستمع حفظ
عودة الشيخ للجواب عن الجمع بين حديث السبتيتين ، وبين حديث : يسمع قرع نعالهم ، وبيانه عدم التعارض بينهما .
أما مجرد أنه أخبر فهذا لا يعطينا حكما ، لأنه خبر .
8 - عودة الشيخ للجواب عن الجمع بين حديث السبتيتين ، وبين حديث : يسمع قرع نعالهم ، وبيانه عدم التعارض بينهما . أستمع حفظ
بيان المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَن يرد االله به خيراً يفقهه في الدين ) .
غرضي أن أقول : نسمع اليوم كثيراً من الكتاب الذين تخرجوا من بعض الجامعات التي لا عهد لها أن تُدرِّس على طلابها فقه الكتاب والسنة ، وإنما تُدرِّس عليهم فقه مذهب من المذاهب ، وقد تعلوا بعضها فتدرّس على طلابها ما يسمى اليوم بالفقه المقارَن .
والفقه المقارَن حقيقة اليوم هو مضيعة ، يضيع طالب العلم بين تلك الأقوال الكثيرة والمتعارضة تعارضاً شديداً جداً ، فيخرج وقد حصَّل شهادة الدكتوراه زعموا ، وهو حيران في كثير مِن تلك المسائل الشرعية ، التي تلقاها عن بعض شيوخه ، وتكون نتيجة هذه الحَيرة أن يأخذ منها ، أن يأخذ مِن تلك الأقوال المتعارضة ما يناسب الهوى .
ضرب الشيخ لبعض الأمثلة الفقهية والاستدلالية الباطلة ، والتي وقع فيها بعض الكتاب لقلة معرفتهم بالفقه الصحيح للكتاب والسنة .
إذا عرفتم ما ذكرناه آنفاً : أن إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء ما ، لا يعني أن ذلك الشيء هو جائز ، إخباره عن ذلك الشيء لا يعطي حكماً عنه وإنما مجرد الخبر .
لذلك مثلاً مما يسهل عليكم أن تفقهوا هذا الكلام الذي قلته لكم آنفاً أحاديث كثيرة وكثيرة جدًا ، بعضها ظاهر فيما قلته آنفاً ، وبعضها يحتاج إلى تذكير ، مِن الأول قوله -عليه الصلاة والسلام- : ( لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج ) : وهذا من أعلام نبوته -صلى الله عليه وسلم- ، فإنكم ترون اليوم لا تكاد بعض البلاد أن تخلو مِن الهرج ، مِن القتل بدون سبب ، فهل هذا يعني لما أخبر الرسول -عليه السلام- عن كثرة الهرج أن هذا الهرج جائز ؟! لا أحد يقول هذا .
لكننا ننتقل إلى ما هو دقيق : لما جاء في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم في قصة جبريل -عليه الصلاة والسلام- حين جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة رجل غريب مِن البشر ، القصة معروفة وطويلة ولكن الشاهد منها : أن هذا الرجل الذي تبين فيما بعد من قوله -عليه السلام- : ( أتدرون من السائل ) قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ( ذاك جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ) ، فكان مِن أسئلة جبريل -عليه السلام- لنبينا -صلى الله عليه وسلم- عن الساعة ، تعلمون أن الجواب كان : ( ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل ) ، فكان الجواب عن الأمارات والعلامات قال : ( أنْ تلِدَ الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ) ، هذا خبر من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فهل هذا يعني أنه يستحب التطاول في البنيان ؟! ولا سيما هذا التطاول المشاهد في هذا الزمان !! والذي فيه اعتداء واطلاع على عورات النساء ، حتماً هذا الخبر لا يعطي شرعية التطاول في البنيان .
ومن باب أولى أنه لا يعطي ما جاء قبل هذه العلامة ، وهو : ( أن تلد الأمة ربتها ) وهذا فسروه بتفسيرين أحدهما : ( أنْ تلد الأمة ربتها ) أي : الأمَة هنا بمعنى أمة الله ، يعني : المرأة المسلمة أن تلد البنت : الفتاة ، فتربى هذه الفتاة على الدلال وعلى تربية مخالفة للآداب الإسلامية ، فتصبح هذه الفتاة هي رَبَّة البيت ، ( أنْ تلد الأمة ربتها ) بسبب تجبرها وتكبرها وتسلطها على مَن ولدتها وهي أمها ، هل هذا يعني أن الرسول -عليه السلام- حينما أخبر هذا الخبر وجعله من علامات الساعة أن ذلك أمر جائز أو مشروع ؟!! ليس الأمر كذلك ، فإذا عرفتم هذه الحقيقة : عرفتم أن الاستدلال بخبر الرسول بأن الظعينة تنطلق مِن العراق وتسافر إلى الحجاز لا تخشى على نفسها إلا الذئب ، هذا لا يعني مخالفة الأحاديث التي فيها تشريع صريح في مثل قوله -عليه الصلاة والسلام- : ( لا تسافر امرأة سفراً إلا ومعها محرم ) .
10 - ضرب الشيخ لبعض الأمثلة الفقهية والاستدلالية الباطلة ، والتي وقع فيها بعض الكتاب لقلة معرفتهم بالفقه الصحيح للكتاب والسنة . أستمع حفظ
عودة الشيخ للإجابة عن عدم وجود تعرض بين النهي عن الانتعال في المقابر ، وبين حديث سماع الميت لقرع النعال عند رجوع الناس من المقبرة .
( اخلع نعليك ) تشريع ، (وإنه ليسمع قرع نعالهم ) : ليس تشريعاً ، وإنما هو خبر ، على أن هذا الحديث الأصح يمكن حمله في صورة أخرى وهو : أن يكون الدفن في مكان لا يستلزم المشي في النعال ببين القبور ، كأن يكون القبر المدفون مثلا في حافة المقبرة ، فيُدفن وينصرف الناس فيسمعون قرع النعال .
هكذا يجب التوفيق بين الأحاديث التي قد يبدو لبعض الناس بادي الرأي أنها تختلف ، فمن القواعد في التوفيق هو ما سبق الإشارة إليه آنفاً : " حديث فيه تشريع لا يعارض بحديث ليس فيه تشريعاً ، وإنما فيه خبرٌ وهذا الخبر يفسر على ضوء الأحاديث التشريعية " .
السائل : الله يجزيك الخير .
11 - عودة الشيخ للإجابة عن عدم وجود تعرض بين النهي عن الانتعال في المقابر ، وبين حديث سماع الميت لقرع النعال عند رجوع الناس من المقبرة . أستمع حفظ
هل لو كانت القبور منظمة ، وتأكد الداخل أنه لن يمشي فوق قبر ، هل يجوز له أن يمشي بنعاله ؟
الشيخ : الظاهر هكذا .
السائل : الظاهر ؟!
الشيخ : إي نعم .
السائل : جزاك الله خيرًا .
الشيخ : لكن أين الضمان لهذا ؟
السائل : يعني مثلاً الآن مقبرة سحاب الإسلامية ، هي مقبرة حديثة العهد ومنظمة .
الشيخ : أي نعم .
السائل : ومُؤكد جدًا أنه ليس هناك بين القبرين قبر .
الشيخ : الجواب ما سمعت .
السائل : جزاك الله خيرا .
الشيخ : وإياك .
12 - هل لو كانت القبور منظمة ، وتأكد الداخل أنه لن يمشي فوق قبر ، هل يجوز له أن يمشي بنعاله ؟ أستمع حفظ
ما حكم الدين في رجل يشتري له البنك بضاعة ويودعها عنده ، وعندما يحتاج بضاعته يشتري منها وهي موجودة عنده في المصنع ، علما بأن هذه البضاعة لم يشترِ منها أي تاجر آخر غيره ، وهذا اتفاق بينه وبين البنك ، وإذا كان هذا العمل حرامًا فما حكم الدين في العمال الذين يعملون عند هذا الرجل وجزاكم الله خيرا ؟
الشيخ : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
السائل : ما حكم الدين في رجل يشتري له البنك بضاعة ويودعها عنده ، وعندما يحتاج بضاعته يشتري منها وهي موجودة عنده في المصنع ، علما بأن هذه البضاعة لم يشترِ منها أي تاجر آخر غيره ، وهذا اتفاق بينه وبين البنك ، وإذا كان هذا العمل حرامًا فما حكم الدين في العمال الذين يعملون عند هذا الرجل ، وجزاكم الله خيرا؟
الشيخ : نعتقد أنَّ هذه من الحيل الشرعية التي تكلمنا عنها كثيرًا ، فلا يجوز شراء أي آلة سيارة كانت أو سواها بطريق البنك ، لأن البنك يأكل الربا بهذه الوسيلة ، وبالتالي فلا يجوز العمل في مثل هذه البنوك ، للآية التي تعتبر قاعدةً إسلامية هامة ، ألا وهي قوله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) ، وللحديث الخاص الذي ينهى عن التعاون على أكل الربا في مثل قوله -عليه السلام- : ( لعن الله آكل الربا ، وموكله ، وكاتبه ، وشاهديه ) .
فنحن ننصح كل مسلم يخشى الله تبارك وتعالى ، ويرجو أن يكون مكسبه حلالاً بحيث أنه إذا دعا الله استجاب له ، وعلى العكس مِن ذلك إذا كان مكسبه حرامًا فيدعو فلا يستجاب له ، إذا كان حريصًا على ذلك فنحن ننصحه أن لا يكون موظفًا في بنك من البنوك ، سواء زُينت بلفظة إسلامية أو لم تزين ، لأن العبرة بالواقع ، وليس بالأسماء .
13 - ما حكم الدين في رجل يشتري له البنك بضاعة ويودعها عنده ، وعندما يحتاج بضاعته يشتري منها وهي موجودة عنده في المصنع ، علما بأن هذه البضاعة لم يشترِ منها أي تاجر آخر غيره ، وهذا اتفاق بينه وبين البنك ، وإذا كان هذا العمل حرامًا فما حكم الدين في العمال الذين يعملون عند هذا الرجل وجزاكم الله خيرا ؟ أستمع حفظ
توضيح الشيخ لبعض أمثلة المحرمات التي تحايل الناس عليها فسموها بغير اسمها لتروج على الجهلة من العامة، ومن ذلك تسمية الربا بالفائدة ، والخمرة بالنبيذ والوسكي .
كذلك اليوم يسمون الربا -وأرجو الانتباه وعدم التورط باستعمال اللفظ المبتدع الذي حلَّ محل اللفظ المشروع- يسمون الربا بالفائدة ، انظر الفرق الآن بين اللفظ الشرعي : الربا ، (( يمحق الله الربا ويربي الصدقات )) ، سموا الربا بماذا ؟
السائل : بالفوائد .
الشيخ : فائدة ، وتجد المسلمين الطيبين الصالحين ، وهو لا يأكل الربا ، ولا يقربه إطلاقاً ، لكن لما يريد أن يسأل يقول ما حكم الفائدة ؟! نسي اسم الربا ، نسي الاسم الذي أطلقه الله -عز وجل- على هذا المال الحرام ، ولذلك فكما نسخ الكفار من قواميسهم لفظة الربا ، فيجب عليكم أنتم معشر المسلمين المتقين لرب العالمين أن تنسخوا مِن لغتهم لفظة الفائدة في مجال المال المكتسب بطريق الحرام ، وأن تسموه بالاسم الذي سماه ربكم في القرآن ، ألا وهو : الربا ، لأن مِن آيات فساد المجتمع أن يسموا الأشياء التي حرمها الله بغير اسمها ، ( ليكونن في أمتي أقوام يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ) ، قديماً تورط بعضهم فسمَّوا الخمر بالنبيذ ، علماً بأن النبيذ لفظ عربي قديم ، لكن كان استعماله في معنىً مشروع وجائز ، وهو المعروف : -ما أدري عندكم- نقوع ، تقولون : نقوع ، إذا أخذنا التمر وألقيناه في الماء ماذا تسمونه ؟
السائل : نقوع .
الشيخ : نعم ؟
السائل : نقوع .
الشيخ : طيب ، نقوع ، هذا لغة اسمه :نبيذ ، من باب نبذ ينبذ أي ألقى ، فهذا نبيذ فعيل بمعنى مفعول ، أي ملقى فيه ، هذا الماء ملقى فيه هذا التمر أو الزبيب ، أو أي شيء من طبيعته أن يتحلل وأن يحلو هذا الماء ، ثم إذا استمر فمن طبيعته أن يتخمر.
فالنبيذ في لغة الشرع لا يعني الشراب المسكر ، لكن سوَّل الشيطان لبعضهم قديماً بأن يسموا نوعاً من الخمر نبيذاً ، أما الآن فقد سموها بغير اسمها : وسكي ، المشروبات الروحية ، ونحو ذلك ، واتسعت دائرة تغيير هذه الأسماء بكثرة مدهشة جدًا ، فهم يسمون مثلًا : التصوير المحرم والرقص المحرم : بالفنون الجميلة ، كل هذا حرام لا يجوز ، وعلى ذلك فلا تستعملوا كلمة الفائدة مقام الربا ، اعكس تُصِب ، فضلاً عن أن تكون عميلاً وموظفاً في البنك الذي يتعاطى الربا ، ولو كنت أحقر موظف في ذلك البنك .
ما هو أحقر موظف ؟ هو الخادم الذي يَقُم ويكَنِّس الغبار أو الدخان الذي هو أثر من آثار الشرب لأولئك الناس للدخان في داخل البنك ، هذا تعاون على المنكر ، وهذا لا يجوز في القرآن وكذلك في السنة ، نعم .
الحجم ( 7.59 ميغابايت )
التنزيل ( 1018 )
الإستماع ( 0 )