قال الله تعالى : << هؤلآء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن على الله كذبا >>
(( هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً )) يشيرون إلى وجهة نظرهم في انعزالهم عن قومهم ، قالوا : (( هؤلاء قومنا اتخذوا )) أي سيروا (( آلهة )) من دونه آلهة ، عبدوها من دون الله (( لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ )) (( لولا )) هنا بمعنى هلا ، ولولا لها معاني جاءت لها في اللغة العربية ليس هذا موضع ذكرها لكنها هنا بمعنى هلا ، مثلها مثل قوله تعالى : (( لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ))[النور:13]، أي هلا جاءوا ، (( يأتون عليهم )) أي على هذه الآلهة أي على كونها آلهة وكونهم يعبدونها ، فالمطلوب منهم شيئاًن : أن يثبتوا أنها بآلهة ، وأن يثبتوا أن عبادتهم لها حق وكلا الأمرين مستحيل ، (( لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ )) وقوله : (( بسلطان بين )) السلطان كل ما للإنسان به سلطة ، كل شيء له سلطة به فهو سلطان ، قد يكون المراد به الدليل مثل (( إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا ))[يونس:68]، وقد يكون المراد بالقوة والغلبة لقوله تعالى : (( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ))[النحل:100]، وقد يكون الحجة والبرهان كما هنا وكما ذكرنا قبل قليل (( بسلطان بين )) أي بحجة ظاهرة يكون لهم بها سلطة ، والجواب يمكن أو لا يمكن ؟ لا يمكن ، ولهذا قالوا : (( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا )) الفاء للتفريق ، ومن استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً ، واعلم أن الاستفهام إذا ضمن معنى النفي صار فيه زيادة فائدة وهي أنه يكون مشرباً معنى التحدي لأن النفي المجرد لا يدل على التحدي لو قلت : ما قام زيد ما فيه تحدي ، لكن إذا قلت : (( مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا )) فهذا تحدي كأنك تقول : أخبرني أو أوجد لي أحداً أظلم ممن افترى على الله كذبا ، وقوله : (( من أظلم )) أي من أشد ظلماً ممن افترى على الله كذباً بنسبة الشريك إليه وإلى غير ذلك ، كل من افترى على الله كذباً فلا أحد أظلم منه ، أنت لو كذبت على شخص لكان هذا ظلماً ، على شخص أعلى منه لكان هذا ظلماً أعلى من الأول ، فإذا افتريت على الله كذباً صار لا ظلم فوقه ولهذا قال : (( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا )) فإن قال قائل : نجد أن الله تعالى يقول : (( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا )) ويقول : (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ))[البقرة:114]، وتأتي أظلم في موضعين : وأظلم تدل على اسم التفضيل فكيف الجمع ؟ نقول : إن الجمع أنها اسم تفضيل في نفس المعنى الذي وردت به فمثلاً (( مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ )) أي لا أحد أظلم منعاً ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، الكذب أي الكذب أظلم ؟ الكذب على الله عز وجل فتكون الأظلمية هنا بالنسبة للمعنى التي سيقت فيه ، ليست أظلمية مطلقة لأنها لو كانت مظلمية مطلقاً لكان فيه نوع من التناقض ، لكن لو قال قائل : ألا يمكن أن تقولوا : إنها اشتركت في الأظلمية ؟ يعني هذه أظلم شيء وهذه أظلم شيء ؟ نقول : لا يمكن لأنه لا يمكن أن تقرن بين من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وبين من افترى على الله كذباً ، أيهما أعظم ؟ الثاني ، فلا يمكن أن يشتركا في الأظلمية ، وحينئذ يتعين المعنى الأول ، ما هو المعنى الأول ؟ أن تكون الأظلمية بالنسبة للمعنى التي سيقت له أو سيقت فيه ، (( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ))