قال الله تعالى : << إلآ أن يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت و قل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا >> حفظ
(( إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )) لا تقل إني فاعل إلا قولاً مقروناً بمشيئة الله ، وقرن ذلك بمشيئة الله يستفيد منه الإنسان فائدتين عظيمتين : إحداهما : أن الله ييسر الأمر له حيث فوضه إليه جل وعلا . والثانية : إن كان حالفاً لم يحنث ، ويستفاد من قوله : (( إني فاعل )) أنه لو قال : سأفعل هذا على سبيل الخبر لا على سبيل الجزم بوقوع الفعل فإن ذلك لا يلزم أن يأتي فيه بالمشيئة ، يعني لو قال لك صاحبك : هل تمر علي غداً ؟ فقلت : نعم ، الآن قلت : إنك ستمت لكن هل هذا خبر أو أنه سيقع ولابد ؟ الجواب هذا خبر ، أما إذا أردت أنه سيقع ولابد فقل : إن شاء الله ، وجه ذلك أن الأول خبر عما في قلبك والذي في قلبك حاصل الآن ، وأما أنك ستفعل في المستقبل فهذا خبر عن شيء لم يكن ولا تدري هل يكون أو لا يكون ؟ انتبهوا لهذا الفرق ، إذا قال الإنسان : سأسافر غداً ، فإن كان يخبر عما في قلبه فلا يحتاج إلى أن يقول : إن شاء الله ، ليش ؟ لأنه خبر عن شيء واقع ، أما إذا كان يريد بقوله : سأسافر أنني سأنشئ السفر وأسافر فعلاً فهنا لابد أن يقول : إن شاء الله ، ولهذا جاءت الآية الكريمة (( إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا )) ولم يقل : إن سأفعل ، بل قال : إن فاعل ، (( فلا تقل )) مستقبل إن فاعله إلا مقروناً بمشيئة الله (( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ )) يعني اذكر ربك أي أمر ربك بأن تقول : إن شاء الله ، (( إذا نسيت )) أن تقولها ، لأن الإنسان قد ينسى ، وإذا نسي فقد قال الله تعالى : (( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا )) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكر ) المشيئة إذا نسي الإنسان متى يقولها ؟ إذا ذكر ، ولكن هل تنفعه بمعنى أنه لو حنث لم تلزمه الكفارة أو لا تنفعه ؟ من العلماء من قال : تنفعه حتى لو لم يذكر إلا بعد يوم أو يومين أو سنة أو سنتين ، لأن الله أطلق ، قال : (( اذكر ربك إذا نسيت )) ومن العلماء من قال : لا تنفعه إلا إذا ذكر بزمن قريب بحيث ينبني الاستثناء على المستثنى منه وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء ، وسأضرب مثلاً يتبين به الأمر ، إذا قلت : والله لأفعلن هذا ، ونسيت أن تقول : إن شاء الله ، ثم ذكرت بعد عشرة أيام فقلت : إن شاء الله بناء على أن من قال : إن شاء الله لم يحنث ، هل ينفعه هذا أو لا ؟ من العلماء من قال : ينفعه ، لأنه هنا قال : (( اذكر ربك إذا نسيت )) ومنهم من قال : لا ينفعه لأن الكلام لم ينبني بعضه على بعض ، إذاً ما الفائدة من أمر الله أن نذكره إذا نسينا ؟ قال : الفائدة هو ارتفاع الإثم لأن الله قال : (( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )) فإذا نسيت فقلها إذا ذكرها لكن هل تنفع فلا تحنث ؟ أو يرتفع عنك ذلك الإثم ؟ الظاهر الثاني أنه يرتفع الإثم وأما الحنث فإنه يحنث لو خالف لأن الاستثناء بالنسبة للحنث لا ينفع إلا أن يكون متصلاً ، ثم الاتصال هل يقال : إن الاتصال معناه أن يكون الكلام متواصلاً بعضه مع بعض أو أن الاتصال ما دام في المجلس ؟ فيه أيضاً خلاف : بعضهم يقول : ما دام في المجلس فهو متصل ، وإذا قام عن المجلس فقد انقطع ، قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) فجعل التفرق فاصلاً ، ومنهم من قال : لا العبرة باتصال الكلام بعضه مع بعض ، والظاهر والله أعلم أنه إذا كان في مجلسه ولم يذكر كلاماً يقطع ما بين الكلامين فإنه لا بأس أن يستثني (( وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا )) عسى هذه بمعنى الرجاء إذا وقعت من مخلوق وبمعنى الوقوع إذا وقعت من الخطأ ، انتبه إذا وقعت من مخلوق فهي للرجاء ، ومن الخالق فهي للوقوع فقول الله تبارك وتعالى : (( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ))[النساء:89-99] ، فنقول : (( عسى )) هنا واقعة ، وقال تعالى : (( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ))[التوبة:18] ، أما من الإنسان فهي للرجاء فقوله عز وجل : (( وقل عسى أن يهديني ربي )) هذه للرجاء ، (( أن يهديني ربي )) أي يدلني إلى الطريق ، ولهذا قال : (( لأقرب من هذا رشداً )) هداية وقد فعل أو لا ؟ فعل عز وجل ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما قال : ( سأخبركم غدا ) يحتاج إلى أن ينتظر أمر الله عز وجل (( وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا )) . قال الله تعالى : (( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا )) (( لبثوا )) أي هؤلاء الفتية ، نعم .
الطالب : .....
الشيخ : انتهى الوقت ، نعم ، الأسئلة غداً إن شاء الله .
مناقشة