تتمة تفسير الآية : << قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات و الأرض أبصر به و أسمع ما لهم من دونه من ولي و لا يشرك في حكمه أحدا >>
فالله تبارك وتعالى يبصر كل شيء ، يبصر دبيب النمل على الصخرة السوداء في ظلمة الليل ، يبصر ما لا تدركه أعين الناس مما هو أخفى وأدق ، كذلك في السمع يسمع كل شيء ، يعلم السر وأخفى من السر ، ويعلم الجهر ، نعم (( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ))[طه:7]، تقول عائشة رضي الله عنها في قصة المجادلة التي ظاهر منها زوجها وجاءت تشتكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت عائشة في الحجرة والحجرة صغيرة كما هو معروف وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحاور المرأة وعائشة يخفى عليها بعض حديثها والله عز وجل يقول : (( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ))[المجادلة:1]، تقول : ( الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات إني لفي الحجرة وإنه ليخفى علي بعض حديثها والله عز وجل فوق كل شيء ) ومع ذلك سمع قولها ومحاورتها للرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي الإيمان بأن الله تعالى ذو بصر نافذ لا يغيب عنه شيء وذو سمع ثاقب لا يخفى عليه شيء في الإيمان بذلك ما يقتضي للإنسان أن لا يري ربه ما يكرهه الله ، ولا يسمعه ما يكرهه الله لأنك إذا أمنت بأن الله يراك إن عملت أي عمل رآك إن قلت أي قول سمعك فهذا يوجب أن تخشى الله عز وجل وألا تفعل فعلاً يكرهه الله وألا تقول قولاً يكرهه الله عز وجل لكن الإيمان ضعيف فتجد الإنسان عندما يريد أن يقول أو أن يفعل لا يخطر في باله أن الله يسمع أو يرى إلا إذا نبه فالغفلات كثيرة فيجب علينا جميعاً أن ننتبه لهذه النقطة العظيمة . قال تعالى : (( مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ )) (( ما لهم )) هل الضمير يعود على أصحاب الكهف أو على من في السموات والأرض ؟ الثاني هو المتعين ، يعني ليس لأحد ولي من دون الله حتى الكفار وليهم الله عز وجل ، وحتى المؤمنون وليهم الله عز وجل ، قال الله تعالى : (( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ))[الأنعام:61-62]، فالله ولي لكل أحد وهذه هي الولاية العامة أليس الله تعالى يرزق الكافرين ؟ وينمي أجسامهم وييسر لهم ما في السماوات والأرض ؟ وسخر الشمس والقمر والنجوم والأمطار وكذلك الأرض ؟ هذه ولاية ويتولى المؤمنين أيضاً لكن هذه الولاية عامة ، الولاية الخاصة للمؤمنين قال الله تعالى : (( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ))[البقرة:257]، الولاية الخاصة تستلزم عناية خاصة اللهم اجعلنا من أوليائك ، تستلزم ولاية خاصة أن الله تعالى يسدد للعبد ، يفتح له أبواب العلم النافع والعمل الصالح ، ولهذا قال : (( يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )) لماذا يخرجهم ؟ بالعلم ، فيعلمهم أولاً ويخرجهم ثانياً ، إذاً (( ما لهم )) أي ما لأهل السماوات والأرض (( من دونه )) أي من سواه (( من ولي )) أي يتولى أمورهم ويدبرها ، إعراب الجملة هذه إعرابها أن (( ما )) نافية ، (( لهم )) خبر مقدم ، (( من ولي )) مبتدأ مؤخر دخلت على هذه الكلمة حرف الجر الزائد لأنك لو حذفت من وقلت : ما لهم من دونه ولي لاستقام الكلام لكن جاءت من أجل التوكيد والتنصيص على العموم يعني لا يمكن أن يوجد لأهل السماوات والأرض سوى الله عز وجل (( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا )) لا يشرك أحداً في حكمه ، (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ))[الأنعام:57]، (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ))[الشورى:10]، والحكم كوني وقدري فالخلق والتدبير كوني ، أنا أقول : كوني والصواب كوني وشرعي ، الخلق والتقدير وتدبير هذه الخلائق العظيمة هذا كوني ، والحكم بين الناس بالأوامر والنواهي هذا شرعي فهل المراد بقوله : (( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا )) الأمران أو أحدهما ؟ بل المراد الأمران ، لا أحد يشرك الله عز وجل في حكمه لا الكوني ولا الشرعي وفيه دليل على وجوب الرجوع إلى حكم الله الشرعي وأنه ليس لنا أن نشرع في دين الله ما ليس منه لا في العبادات ولا في المعاملات وأما من قال من أهل العلم : إنه لنا أن نشرع في المعاملات ما يناسب الوقت فهذا قول باطل ، لأنه على قولهم لنا أن نجوز في الربا ، وأن نجوز الميسر ، وأن نجوز كل ما فيه الكسب ولو كان محرماً ولا شك أن هذا قول باطل ، فالشرع صالح لكل زمان ومكان ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها .
الحكم الكوني هل أحد يشرك الله فيه ؟ أبداً ولا أحد يدعي هذا ، هل يستطيع أحد أن ينزل الغيث ؟ لا ، هل يستطيع أحد أن ينبت الأرض ؟ لا ، الحكم الكوني لا أحد يدعي الشركة فيه ، الحكم الشرعي هو الذي محل اختلاف البشر ودعوى بعضهم أن لهم أن يشرعوا للناس ما يرون أنه مناسب