العقيدة التدمرية-13
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
العقيدة التدمرية
الحجم ( 5.89 ميغابايت )
التنزيل ( 1146 )
الإستماع ( 278 )


1 - تتمة تعليق الشيخ على قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " والحكم هو الفصل بين الشيئين فالحاكم يفصل بين الخصمين , والحكم فصل بين المتشابهات علما وعملا إذا ميز بين الحق والباطل والصدق والكذب والنافع والضار وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار فيقال : حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يديه وحكمت الدابة وأحكمتها إذا جعلت لها حكمة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام وإحكام الشيء إتقانه . فَإِحْكَامُ الْكَلَامِ إتْقَانُهُ بِتَمْيِيزِ الصِّدْقِ مِنْ الْكَذِبِ فِي أَخْبَارِهِ وَتَمْيِيزِ الرُّشْدِ مِنْ الْغَيِّ فِي أَوَامِرِهِ ، وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ بِمَعْنَى الْإِتْقَانِ فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تعالى حَكِيمًا بِقَوْلِهِ : (( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ )) فَالْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ ؛ كَمَا جَعَلَهُ يَقُصُّ بِقَوْلِهِ : (( إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )) وَجَعَلَهُ مُفْتِيًا فِي قَوْلِهِ : (( قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ )) أَيْ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَجَعَلَهُ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا فِي قَوْلِهِ : (( إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ )) ". أستمع حفظ

2 - تعليق الشيخ على قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله : (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )) وهو الاختلاف المذكور في قوله : (( إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك )). فالتشابه هنا : هو تماثل الكلام وتناسبه : بحيث يصدق بعضه بعضا ; فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر ; بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته ; وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته إذا لم يكن هناك نسخ وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته بل ينفيه أو ينفي لوازمه بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضا فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر فالأقوال المختلفة هنا : هي المتضادة . والمتشابهة : هي المتوافقة وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضا ويعضد بعضها بعضا ويناسب بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض ويقتضي بعضها بعضا : كان الكلام متشابها ; بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضا فهذا التشابه العام : لا ينافي الإحكام العام بل هو مصدق له فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضا لا يناقض بعضه بعضا بخلاف الإحكام الخاص ; فإنه ضد التشابه الخاص والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر بحيث يشتبه على بعض الناس إنه هو أو هو مثله وليس كذلك والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبها عليه ومنهم من يهتدي إلى ذلك ; فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله فعلم العلماء أنه ليس مثله وإن كان مشبها له من بعض الوجوه ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل حتى تشتبه على بعض الناس ; ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه فمن عرف الفصل بين الشيئين : اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد ; وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه فلهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه والقياس الفاسد لا ينضبط كما قال الإمام أحمد : أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس ; فالتأويل : في الأدلة السمعية , والقياس : في الأدلة العقلية وهو كما قال والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة , والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة . ". أستمع حفظ

3 - تعليق الشيخ على قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات حتى آل الأمر إلى من يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود فظنوا أنه هو فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء وأن يكون إياه أو متحدا به ; أو حالا فيه من الخالق مع المخلوق فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها حتى ظنوا وجودها وجوده ; فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه . وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحدا ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع وآخرون توهموا أنه إذا قيل : الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم التشبيه والتركيب فقالوا : لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث ونحو ذلك من أقسام الموجودات وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة مثل وجود مطلق وحيوان مطلق وجسم مطلق ونحو ذلك فخالفوا الحس والعقل والشرع وجعلوا ما في الأذهان ثابتا في الأعيان وهذا كله من نوع الاشتباه ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه وعلم ما بينهما من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف ; وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق وهذا كما أن لفظ ( إنا ) و ( نحن ) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد وله أعوان تابعون له ; لا شركاء له فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى : (( إنا نحن نزلنا الذكر )) ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله تعالى : (( وإلهكم إله واحد )) ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدا يزيل ما هناك من الاشتباه ; وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم .". أستمع حفظ

4 - تعليق الشيخ على قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله فلا يعلمهم إلا هو (( وما يعلم جنود ربك إلا هو )) وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله بخلاف الملك من البشر إذا قال : قد أمرنا لك بعطاء فقد علم أنه هو وأعوانه مثل كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا به وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك والله - سبحانه وتعالى - لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة وإن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين : من إضافة أو تعريف كما إذا قيل : فيها أنهار من ماء فهناك قد خص هذا الماء بالجنة فظهر الفرق بينه , وبين ماء الدنيا لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا وهو مع ما أعده الله لعباده الصالحين - مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر - من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله .". أستمع حفظ

6 - تعليق الشيخ على قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها التي هي حقيقة لا يعلمها إلا هو ; ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم - من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه - تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله كما قال أحمد : في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه وإن كان لا يشتبه على غيرهم وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله ولم ينف مطلق لفظ التأويل كما تقدم : من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله به فذلك لا يعاب بل يحمد ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها فذاك لا يعلمه إلا هو وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع . ومن لم يعرف هذا : اضطربت أقواله مثل طائفة يقولون إن التأويل باطل وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره ويحتجون بقوله تعالى : (( وما يعلم تأويله إلا الله )) ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل وهذا تناقض منهم ; لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله وهم ينفون التأويل مطلقا وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو . وأما التأويل المذموم والباطل : فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذين يتأولونه على غير تأويله ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني التي نفوها عنه فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه فإن كان الثابت حقا ممكنا كان المنفي مثله وإن كان المنفي باطلا ممتنعا كان الثابت مثله وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقا ويحتجون بقوله تعالى : (( وما يعلم تأويله إلا الله )) قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد ; أو بما لا معنى له أو بما لا يفهم منه شيء . ". أستمع حفظ

8 - تعليق الشيخ على قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " لإمكان أن يكون له معنى صحيح وذلك المعنى الصحيح : لا يخالف الظاهر المعلوم لنا فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير . فإن تلك المعاني التي دل عليها قد لا نكون عارفين بها ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى ; لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به ; فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني ولا يفهم منه معنى أصلا لم يكن مشعرا بما أريد به فلأن لا يكون مشعرا بما لم يرد به أولى فلا يجوز أن يقال : إن هذا اللفظ متأول بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح فضلا عن أن يقال : إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله . اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف " . أستمع حفظ

9 - تعليق الشيخ على قول شيخ الإسلام ابن تيمية : " القاعدة السادسة أنه لقائل أن يقول : لا بد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه قيل له : إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل ; وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجب له ما يجب له .". أستمع حفظ